ابن قيم الجوزية

217

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

السجود للصنم ، وللشمس ، وللنجم ، وللحجر ، كله وضع الرأس قدامه « 1 » . ومن أنواعه : ركوع المتعممين بعضهم لبعض عند الملاقاة . وهذا سجود في اللغة . وبه فسر قوله تعالى : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً [ البقرة : 58 ] أي منحنين ، وإلا فلا يمكن الدخول بالجبهة على الأرض . ومنه قول العرب : سجدت الأشجار ، إذا أمالتها الريح . ومن أنواعه : حلق الرأس للشيخ . فإنه تعبّد لغير اللّه ، ولا يتعبّد بحلق الرأس إلا في النسك للّه خاصة . ومن أنواعه : التوبة للشيخ . فإنها شرك عظيم . فإن التوبة لا تكون إلا للّه . كالصلاة ، والصيام ، والحج ، والنسك . فهي خالص حق اللّه . وفي « المسند » : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « أتي بأسير . فقال : اللهم إني أتوب إليك . ولا أتوب إلى محمد . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : عرف الحق لأهله » . فالتوبة عبادة لا تنبغي إلا للّه . كالسجود والصيام . ومن أنواعه : النذر لغير اللّه . فإنه شرك . وهو أعظم من الحلف بغير اللّه . فإذا كان « من حلف بغير اللّه فقد أشرك » فكيف بمن نذر لغير اللّه ؟ مع أن في « السنن » من حديث عقبة بن عامر عنه صلى اللّه عليه وسلم « النذر حلفة » . ومن أنواعه : الخوف من غير اللّه ، والتوكل على غير اللّه ، والعمل لغير اللّه ، والإنابة والخضوع ، والذل لغير اللّه ، وابتغاء الرزق من عند غيره ، وحمد غيره على ما أعطى ، والغنية بذلك عن حمده سبحانه ، والذم والسخط على ما لم يقسمه ، ولم يجر به القدر ، وإضافة نعمه إلى غيره ، واعتقاد أن يكون في الكون ما لا يشاؤه . ومن أنواعه : طلب الحوائج من الموتى ، والاستغاثة بهم ، والتوجه إليهم . وهذا أصل شرك العالم . فإن الميت قد انقطع عمله . وهو لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا ، فضلا عمن استغاث به ، وسأله قضاء حاجته ، أو سأله أن يشفع له إلى اللّه فيها . وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده ، كما تقدم . فإنه لا يقدر أن يشفع له عند اللّه إلا بإذنه . واللّه لم يجعل استغاثته وسؤاله سببا لإذنه . وإنما السبب لإذنه : كمال التوحيد . فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن ، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها . وهذه حالة كل مشرك . والميت محتاج إلى من يدعو له ، ويترحّم عليه ، ويستغفر له ، كما أوصانا النبي صلى اللّه عليه وسلم ، إذا زرنا قبور المسلمين « أن نترحم عليهم . ونسأل لهم العافية والمغفرة » فعكس المشركون هذا ، وزاروهم زيارة العبادة . واستقضاء الحوائج ، والاستغاثة بهم . وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد . وسموا قصدها حجّا . واتخذوا عندها الوقفة وحلق الرأس . فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق ، وتغيير دينه ، ومعاداة أهل التوحيد ، ونسبة أهله إلى التنقص للأموات . وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك ،

--> ( 1 ) وليس هذا السجود وحده شركا أكبر . بل لعل أعظم منه : سجود القلب بالخضوع والذل والانقياد والاستسلام لما يبتدعه السادة المستكبرون الطواغيت للمستضعفين التابعين من عبادات وتقاليد جاهلية ، فلعل المستضعف يعيش طول حياته ساجدا لشيخه وطاغوته ، مع أنه لم يره مرة واحدة في طول عمره .